تغيرات كبيرة تشهدها العقيدة القتالية للجيش الكوري الجنوبي في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع تزايد التوترات الجيوسياسية في شبه الجزيرة الكورية، وتطور أنظمة الحرب الحديثة كالذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والأسلحة السيبرانية. هذا التغير لا يقتصر فقط على التسليح بل يمتد ليشمل العقيدة نفسها: كيف يقاتل الجيش؟ كيف يتدرب؟ وما الأولويات في ساحات المعارك المستقبلية؟ التحول نحو عقيدة مرنة تعتمد على القوة الذكية والتكامل بين الإنسان والآلة يعكس نظرة استراتيجية نحو الحروب القادمة. يتوقع أن تزداد هذه التغييرات بعد دمج التكنولوجيا الأمريكية والكورية الحديثة ضمن نظم القيادة والتحكم. في هذا المقال، نغوص في عمق تفاصيل التغيير في العقيدة القتالية للجيش الكوري الجنوبي، ونتعرف على أسبابها، عناصرها الرئيسية، والنتائج المتوقعة منها على الأمن الوطني والإقليمي.
ما هي العقيدة القتالية ولماذا تتغير الآن؟
العقيدة القتالية هي الإطار النظري الذي يوجه كيف يخوض الجيش المعارك: من التكتيكات إلى الاستراتيجيات، ومن التدريب إلى المعدات. في السابق، كانت تعتمد عقيدة الجيش الكوري الجنوبي بشكل كبير على نموذج الحرب الثابتة والتقليدية مع التركيز على الردع ضد كوريا الشمالية. لكن الواقع الجديد فرض تحديات جديدة: تهديدات غير تقليدية، هجمات إلكترونية، صواريخ دقيقة بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة. وبالتالي، بات من الضروري تطوير عقيدة مرنة يمكنها التعامل مع هذا الطيف الواسع من التهديدات. ونتيجة لذلك، تبنت القوات المسلحة الكورية سياسة تُعرف بـ “الاستجابة متعددة المجالات”، والتي تسمح بالتكامل بين القوات الجوية، البرية، البحرية، السيبرانية وحتى الفضاء.
تفاصيل العقيدة من وزارة الدفاع
الأسس الجديدة: من الدفاع الثابت إلى الهجوم الذكي
تعتمد العقيدة القتالية الجديدة للجيش الكوري الجنوبي على مفهوم “المبادرة” بدلاً من “الاستجابة”. فبدلاً من الانتظار لهجوم محتمل، تسعى القيادة إلى أن تكون قادرة على شن هجمات استباقية عند الضرورة، خاصة على مراكز القيادة والسيطرة في العدو. وبهذا الإطار، يتم تطوير وحدات قتالية صغيرة لكنها عالية التدريب وسريعة الحركة، مدعومة بذكاء اصطناعي يساهم في اتخاذ القرار الميداني. كما يجري العمل على دمج تقنيات تحليل البيانات الضخمة والاستطلاع عبر الأقمار الصناعية لتقليل الوقت بين الرصد والاستهداف. وهذا يرفع من كفاءة العمليات القتالية ويخفض من الخسائر البشرية.
تحليل الأكاديمية العسكرية الكورية
التكنولوجيا قلب التغيير: الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة
التقنيات المتقدمة هي المحرك الرئيسي خلف هذا التحول العقائدي. الذكاء الاصطناعي يستخدم الآن لتحديد التهديدات بشكل أسرع، وتوجيه القوات وتخطيط الهجمات. الطائرات المسيّرة لم تعد فقط أدوات استطلاع، بل أصبحت أسلحة هجومية دقيقة قادرة على تنفيذ ضربات جراحية خلف خطوط العدو. كما أن أنظمة التحكم عن بعد تسهل تنفيذ عمليات معقدة دون تعريض الجنود للخطر. حتى أن بعض الوحدات تستخدم أنظمة روبوتية لأداء مهام مثل إزالة الألغام والهجوم على المنشآت الحيوية. وتعمل العقيدة الجديدة على دمج هذه الأدوات في هيكل القيادة القتالية الفعلي، ما يعزز من سرعة التفاعل ويقلل من نسبة الخطأ البشري.
التدريب الجديد: محاكاة رقمية وبيئات معركة متعددة
لمواكبة التغييرات العقائدية، تحولت برامج التدريب في الجيش الكوري من التمارين التقليدية إلى بيئات محاكاة رقمية. تُستخدم تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز لتوفير بيئة تدريبية قريبة جداً من الواقع، مما يسمح للجنود بخوض سيناريوهات قتال معقدة دون المخاطرة الفعلية. كما تم إنشاء “مختبرات حرب” افتراضية يمكن خلالها اختبار استراتيجيات جديدة دون الحاجة لتحريك القوات فعلياً. التدريب الآن لا يركز فقط على القوة الجسدية، بل على الذكاء الاستراتيجي والقدرة على التفاعل السريع مع ظروف الحرب الحديثة، مما يشكل فرقاً نوعياً في الأداء القتالي.
التكامل بين القوات والفروع: المعركة في كل المجالات
من أبرز جوانب التغيير هو تبني مبدأ “الدمج العملياتي”، حيث لم تعد الفروع العسكرية تعمل بشكل مستقل، بل أصبحت العمليات تدار بشكل تكاملي. فمثلاً، قد تعتمد فرقة برية على دعم جوي مسيّر مباشرة، وتتحكم في وحدات إلكترونية ترسل معلوماتها إلى قوات النخبة للتنفيذ. هذا التكامل يتطلب بنية تحتية رقمية قوية، ونظم اتصالات مؤمنة، وسرعة في تبادل المعلومات. العقيدة الجديدة تُدرب الضباط على إدارة معارك متعددة المجالات في وقت واحد، وهو ما يُعرف باسم “MDO” أو العمليات متعددة النطاقات.
التحديات والآفاق المستقبلية للعقيدة القتالية الجديدة
رغم التفاؤل الكبير بالتحول العقائدي، إلا أن هناك تحديات لا يُستهان بها: مثل كلفة التحديث، مقاوالعقيدة القتالية للجيشمة بعض القيادات التقليدية، وأهمية مواكبة التكنولوجيا سريعاً دون التسبب بثغرات أمنية. كذلك، فإن هذا التحول يفرض ضرورة شراكات أقوى مع الحلفاء الاستراتيجيين كأمريكا واليابان، مما يخلق بُعداً سياسياً للعقيدة القتالية. لكن في المقابل، من المتوقع أن يُعزز هذا التحول من قدرة الجيش الكوري الجنوبي على التعامل مع كل أنواع التهديدات بكفاءة عالية، وأن يتحول إلى قوة ذكية تُحسب لها ألف حساب في أي صراع مستقبلي.
*Capturing unauthorized images is prohibited*